محمد جمال الدين القاسمي

438

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه و في الصحيحين « 1 » عنه : تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان . وقد أخبر سبحانه أنها خير من ألف شهر فإنه نزل فيها القرآن . وإن أراد أن الليلة المعينة التي أسري فيها بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وحصل له فيها ما لم يحصل له في غيرها ، من غير أن يشرع تخصيصها بقيام ولا عبادة ، فهذا صحيح . وليس إذا أعطى اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم فضيلة في مكان أو زمان ، يجب أن يكون ذلك الزمان والمكان أفضل من جميع الأمكنة والأزمنة ، هذا إذا قدّر أنه قام دليل على أن إنعام اللّه تعالى على نبيه ليلة الإسراء كان أعظم من إنعامه عليه بإنزال القرآن ليلة القدر ، وغير ذلك من النعم التي أنعم عليه . والكلام في مثل هذا يحتاج إلى علم بحقائق الأمر ومقادير النعم التي لا تعرف إلا بوحي . ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها بلا علم . ولا يعرف عن أحد من المسلمين أنه نقل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها . لا سيما على ليلة القدر . ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها . ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت . وإن كان الإسراء من أعظم فضائله صلى اللّه عليه وسلم ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان ولا ذلك المكان بعبادة شرعية . بل غار حراء الذي ابتدئ فيه بنزول الوحي ، وكان يتحراه قبل النبوة ، لم يقصده هو ولا أحد من أصحابه بعد النبوة ، مدة مقامه بمكة . ولا خص اليوم الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها . ولا خص المكان الذي ابتدئ فيه الوحي ولا الزمان بشيء . ومن خصّ الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا وأمثاله ، كان من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مراسم وعبادات . كيوم الميلاد ويوم التعميد وغير ذلك من أحواله . وقد رأى عمر بن الخطاب جماعة يتبادرون مكانا يصلّون فيه . فقال : ما هذا ؟ قالوا : مكان صلى فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد ؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا . فمن أدركته فيه الصلاة فليصل ، وإلا فليمض . وقد قال بعض الناس : إن ليلة الإسراء في حق النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أفضل من ليلة القدر . وليلة القدر بالنسبة إلى الأمة أفضل من ليلة الإسراء . فهذه الليلة في حق الأمة أفضل لهم . وليلة الإسراء في حق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أفضل له . انتهى نقله الشمس ابن القيم ( في زاد المعاد ) .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : فضل ليلة القدر ، 3 - باب تحرّي ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر ، حديث رقم 1025 ، عن عائشة . وأخرجه مسلم في : الصيام ، حديث رقم 219 .